آخر الأخبار
لبنان: نشأته وفصله عن أصله طباعة البريد الإلكترونى

بسم الله الرحمن الرحيم

لبنان:نشأته و فصله عن أصله

محمّد إبراهيم

الإسلام والغرب

     حمَّلَ الرسولُ أمَّته أمانةً عظيمة، وأمرَها بنشرِها وحراستِها، ألا وهي الإسلامُ بوصفه عقيدة ونظاماً. فبعد أن أقام أولَ دارٍ للإسلام، خاضَ في سبيلِ نشرِ هذه الأمانةِ صراعاً مع الباطل، واستمرَّ المسلمون من بعده في هذا الصراع، وعملوا على نشر الإسلام وإقامةِ العدل، فعظُمَت دولة الإسلام واتسعَت مساحتُها، حتى تاخمَت بلاد الصين والمحيطَ الهادئ شرقاً، والمحيطَ الأطلسيَ غرباً، مخترقةً أوروبا من غربها وشرقها. وكان لبلاد الشام، بما فيها رقعةُ الأرضِ المعروفة اليوم "بلبنان" شرفُ الانضواء في دار الإسلام في وقت مبْكرٍ زمنَ الخلفاء الراشدين. وكان من ضمن هذا الصراع؛ صراعُ المسلمين مع الغرب والذي استمرَّ مئات السنين ولا زال.

     وما زال المسلمون يرتقون سلَّمَ النهضة، حتى وصلوا إلى منتهاه، وسادوا عدةَ قرون، لا تقوى حضارةٌ على منافسةِ حضارتهم، ولا جيشٌ في الانتصار عليهم، ولا تجرؤُ أمةٌ على عرقلةِ مسيرتهم، فمقولةُ الجيشِ الذي لا يقهر كانت عَلَماً على جيشهم...إلى أنْ دخلَ في الإسلام ما ليس منه، وتراكمَت المفاهيم المغلوطة والأفكار الفاسدة لدى الأمةِ لعدةِ قرون. ووصل الانحطاط أدنى مداركِه مع تغلغل الفكر الغربي في عقول أبنائنا؛ ففقدَت الخلافة مناعتها، وفتكت الجراثيمُ بأعضائها، فسقطَت هيبتُها وانهارَت قواها، ما جرَّأ أعداءها الذين كانوا يتربصون بها الدوائر ويكيدون المؤامراتِ عليها، حتى كان لهم ما أرادوا بإتيانها من قواعدها وهدمِها ونهشِ جسدها وتقطيعِ أوصالها ونهبِ ثرواتها، من خلال التدخل بدايةً في شؤونها وفرضِ الامتيازات عليها منذ القرن السادس عشر، حين بدأت بعضُ الدول الأوروبية، في مقدمتها فرنسا، تَمُدُّ نفوذها داخلَ دار الإسلام من خلال ما عُرِف بالامتيازات التي منحَتها إياها الدولةُ العثمانية. وفي القرن الثامن عشر، بلغَ تدخل الدول الأوروبية مبلغاً عظيماً، من خلال ادِّعائها حمايةَ الأقلياتِ داخل الدولة، وسنِّ القوانين وفرضها على الدولة العثمانية، بالترافق مع تغلغل أفكارِها ونشرِ ثقافتها وإحداثِ القلاقل والاضطرابات والفتن والانقسامات داخلها، إلى أن توصلَت لإلحاق الهزيمةِ الشديدةِ والتاريخيةِ، بالمسلمين على كافَّة الصُّعد: الفكرية والسياسية والاقتصادية والتعليمية... ونتيجةً لذلك سقطت دولة الإسلام صريعة، ولأوَّل مرةٍ في تاريخ المسلمين، بعد أن حكمَت بالإسلام أكثرَ من ثلاثةَ عشرَ قرناً، فضاع المسلمون وحاروا في الأسباب وطريق الخلاص، وقسِّمت بلادُ المسلمين تحقيقاً لمصالح الدول الاستعمارية، ومُزِّقت أكثر من خمسين مِزقة، وسميت كل مزقة دولة، فكان "لبنان" و"سوريا" و"العراق" و"مصر" و"السعودية" ...

نشأة الكيانات نتيجة الهزيمة

     إن نشأة لبنان وغيرِه من الكيانات، هي نتيجةٌ لهزيمةٍ تاريخية للمسلمين، لم يسبق أن هُزموا مثلها، ولا أيام غزو المغول. ولم يكن لدول الغرب أن تقسِّم دولتنا، لولا الضعف الفكري والسياسي والاقتصادي... الذي انتابها. إلا أنه ضعفٌ طارئ وحالةٌ استثنائية لن تلبث أن تزول، إذا ما قيست بزمن السيادة لهذه الأمة. والتاريخُ يؤكد ذلك، فالمسلمون طردوا الفرنجة الصليبيين من الساحل الشامي بعد احتلاله مئتي عام. وستعودُ الأمورُ إلى نصابها بإذن الله، ولاغرو، إذ الأمة تشهد حالة تحول جذري في الفكر والشعور ستعيدها بإذن الله إلى الوعي الذي كان عند الجيل المسلم الأول، لتقوم على أساسه خلافةٌ راشدة، بشَّر بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبدأت بشائرها تلوح في الأفق.

نشأة الكيان اللبناني التاريخية

     لم يُعرفْ تاريحٌ للبنان بوصفه كياناً مستقلاً قبل عام 1920. إذ كان جزءاً من المنطقة، وهذه حقيقة لم يقدر مزوّرو تاريخِ لبنان على إخفائها. فقبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة كان الفينيقيون يقطنون المدن الساحلية كطرابلس وجبيل وصيدا وصور وعكا ... ولم تعرف هذه المدن وحدة سياسية فيما بينها فكانت بمثابة دول مستقلة، وبعد العهد الفينيقي خضعت هذه البقعة الجغرافية بالإضافة إلى المناطق المجاورة ، إلى نفوذ دول متعددة ولفترات زمنية مديدة، كالآشوريين والفراعنة والاسكندر المقدوني والدولة التدمرية والامبراطورية الفارسية و البيزنطيةثم الفتح الإسلامي . ولم يكن الكيان اللبناني المعروف اليوم في أي فترة من الفترات ككيان مستقل عن المنطقة .(انظر الخرائط ص)

فلفظةُ لبنان تعني جبلا معيَّنا، اختلفَ المؤرخون حولَ مداه الجغرافي. يذكر صاحبُ كتابِ "نقد الفكرة اللبنانية" وليد نويهض أن "جميع الدِّراساتِ والمؤلفات التاريخية، تُجْمع على أن اسم جبل لبنان، ليس ذا دلالةٍ جغرافية في كل زمان، فحتى القرنين السابع عشر والثامن عشر لم يكن اسم جبل لبنان يشمل سوى المناطقِ الجبلية الشمالية من البلاد، وهي: بشري والبترون وجبيل. أما المناطقُ الأخرى من كسروان إلى الجنوب، فكانت تُعرف بأسماءٍ محلية ومختلفة، وبقيت كذلك إلى بداية القرن التاسع عشر، بدأ الاسم يتعمَّم على مجموع المناطق الجبليَّة اللبنانية المعروفة حاليا" وتجدر الإشارة هنا إلى أن جبال لبنان لم تكن مسكونة قبل الفتح الإسلامي بل كانت عبارة عن غابات كثيفة ، يقول د محمد علي الضناوي في كتابه تاريخ لبنان والمنطقة" فعندما وجد الموارنة أنفسهم في عزلة متصاعدة عن الحكم البيزنطي وكنيسته، بل هدفاً للتشويش عليهم وللتأثير في عقائدهم، ووجدوا أن سهول سوريا وسواحلها قد اتبعت الدين الجديد، اعتقدوا أن الجبال العالية في لبنان أضمن لسلامتهم، خاصة وأنها بعيدة عن بيزنطة، وقد تركها المسلمون دون أن يدخلوها لخلوها من السكان من جهة، ولسيطرتهم على سواحلها وسهولها في البقاع من جهة أخرى ... انتقال عائلات مسيحية إلى جبال لبنان كان على شكل موجات وبعد الفتح الإسلامي بخمسين سنة... وهكذا يمكن أن نردد مع الأب لامانس اليسوعي، قوله (فجاء الموارنة إلى لبنان على موجات صغيرة واستقروا، في أعاليه الشمالية في منطقة الجبة القريبة من وادي العاصي، وفي بلاد العاقورة (بلاد جبيل) التي كانت ولا تزال قليلة السكان كثيرة الغابات )([1]) ". ويبدأ تاريخ "لبنان" الحديث مع نجاح التدخل الغربي في (جبل لبنان) في القرن التاسع عشر وإحداث الفتن والقلاقل. ويتفق المؤرخون على أن بداية النزاع على أساس طائفي في (جبل لبنان)، كان بفعل التحريضِ الذي مارسته دولُ أوروبا بين الطوائف. فقد عاشت الطوائف والمذاهب في ظلِّ حكم الإسلام مئاتِ السنين جنباً إلى جنب بأمن واطمئنان، ولم يعرف النظام الإسلامي فكرة الأكثرية والأقلية. فلم يحكم المسلمون بوصفهم أكثرية تستبد وتتسلط على الجماعات الدينية الأخرى، بل كانوا يخضعون هم والآخرون لنظام الإسلام الذي ينظر إلى الناس نظرة واحدة بوصفهم أناساً. وما المشكلاتُ والفتن والقلاقل والاضطرابات التي حدثت في جبل لبنان بين الدروز والموارنة بين عامي 1840 و 1860 إلا بسببِ تدخلِ دول الغرب في شؤون الخلافة. يقول جورج قرم في كتابه لبنان المعاصر: "بين عامي 1840 و 1860 اصطرعت الطوائف الدينية بشكلٍ عنيف ودموي على خلفية الصراع بين فرنسا وإنكلترا للتحكم بطريق الهند..."، ويقول عند الكلام عن أحداث 1840: "إن نهاية الوجود المصري من سوريا ولبنان، والتنافسَ بين فرنسا وإنجلترا لكسب ود الطوائف في الجبل والسيطرة عليها، أديا إلى صدامات دامية بين هذه الطوائف". ويقول: "إن متصرفية جبل لبنان استُعملَت كحقل اختبار من قبل القوى الأوروبية الساعية إلى الإخضاع التدريجي لهذه السلطنة وتجزئتها". ويقول وليد نويهض في كتابه "نقض الفكرة اللبنانية": "ومن هنا تأسس في ما بعد ما يسمى بمشكلة الأقليات في الشرق عند بدء تغلغل الرأسمالية الأوروبية، وازدياد نفوذها في المنطقة". هذا التدخل الذي أخذ صوراً متعدِّدة، على رأسها حمايةُ الرعايا الأجانب، كما حدث حين افتعلت إنكلترا حادثةَ قتل الأجانب في مصر واتخذت ذلك ذريعةً لاحتلالها، ومنها صورة حماية الأقليات. فادّعت فرنسا حمايةَ نصارى الشرق لا سيّما موارنة لبنان، وادّعت بريطانيا حمايةَ الدروز، وادعى الروس حماية الأرثوذكس... كل ذلك من أجل مصالح تلك الدول.

     وقد بلغ التدخل في لبنان مبلغاً عظيماً، فقد ورد في رسالة من يوسف كرم إلى البطريرك الماروني سنة 1857م: "لقد أصبحت أمورنا في هذه الأيام، تابعةً لإنكلترا وفرنسا، وإذا ضرب أحدهم جارَه تصبح المسألة إنكليزية أو فرنسية، وربما قامت إنكلترا أو فرنسا بالتدخل من أجل فنجان قهوة يهرق على أرض لبنان". وهذا التدخل الأوروبي في شؤون البلاد الإسلامية، ولا سيما جبل لبنان، وضع أُولى بذور الكيان اللبناني، إذ سنة 1843م قام أولُ نظام إداريٍّ متميزٍ في الجبل، فرضتْه الإرادةُ الأوروبية على دولة الخلافة المتداعية، وهو نظام القائمقاميتين الذي قسَّم الجبل إدارياً على أساسٍ طائفي بين الموارنة والدروز. وقد أثبت هذا النظام فشله في أقل من عشرين عاماً، إذ أجَّج الفتنَ الطائفية بدل أن يخمدها، فانتهى بفتنة 1860 التي أزهقت أرواحَ الألوف من أهل الجبل. وحين حاولت دولةُ الخلافة إنهاءَ هذه الحالة الشاذَّة بإعادة الجبل إلى الوضع الإداري الموافق لسائر ولاياتها، سارعَت بعضُ الدُّول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، إلى إرسال ألوف الجنود إلى المنطقة، بحجة الدفاع عن الأقليات، ما أجبر السلطنةَ على الموافقة على وضع نظامٍ خاصٍّ جديد لمنطقة الجبل، فنشأ سنةَ 1863م ما عُرِفَ بنظام المتصرفية، الذي قضى بأن يكون الجبلُ منطقةً إدارية يحكمها متصرفٌ عثماني كاثوليكي من غير أهل الجبل، تعيِّنه دولةُ الخلافة بعد موافقة الدول الكبرى عليه.

     سنة 1918م هُزِمَت السلطنة العثمانية أمامَ الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وخرجَت جيوشُها من بلاد الشّام والعراق وجزيرة العرب، وكانت المنطقةُ المعروفة اليوم "بسوريا" و"لبنان" من نصيب الاحتلال الفرنسي، بناءً على اتفاقية سايكس بيكو. وكانت فرنسا قد أعدت مشروعاً لتقسيم المنطقة التي نالتها إلى خمس دول، تقوم على أساسٍ طائفي، منها: دولة للموارنة ودولة للعلويين وأخرى للدروز. لكن هذا المشروع لم يلقَ قبولاً لدى السُّكان، اللّهم إلا المشروعُ المتعلِّق بدولة لبنان، لأنَّ معظم الموارنة تبنَُّوه وجعلوه قضيتهم، بناء على حسابات مغلوطة لديهم، ولا زلنا نحصد نتائجها حتى يومنا هذا. ولذلك أقدمت فرنسا في الأول من أيلول عام 1920 على إعلان دولة لبنان على لسان الجنرال غورو الحاقد على المسلمين وصاحب المقولة الشهيرة أمام قبر صلاح الدين: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وكان ذلك على أساس توسيع مساحة متصرفية الجبل، ليضم إليها مدن الساحل، طرابلس وبيروت وصيدا ومناطقَ عكار والبقاع وجبل عامل، فضمَّ إلى مساحة المتصرفية البالغة مساحتها 3500 كلم2 ضعفيها، ليوجد "لبنان" المعروف اليوم، فكان نشوء الكيان اللبناني. وتجدر الأشارة هنا إلى أن مزوري التاريخ اللبناني يركزون على تاريخ الجبل في العهد الإسلامي والذي يعتبر ثلث مساحة اليان المصطنع من قبل الفرنسيين ؛ ويتجاهلون تاريخ ثبثي هذا اليان مع العلم أن الجبل كان يخضع لولايتي طرابلس وصيدا ، يقول الدكتور محمد علي الضناوي في كتابه تاريخ لبنان والمنطقة "من الاطلاع على مناهج وزارة التربية والمناهج الجامعية وعلى مجمل الكتابات التاريخية التي تحدثت عن "تواريخ" لبنان، نجد أن تاريخ جبل لبنان يكاد يكون هو تاريخ لبنان، فكأن لبنان هو الجبل والجبل هو لبنان، أما تاريخ المناطق التي ألحقت بالجبل لتكون دولة لبنان الكبير فلا تاريخ لها، إلا بالقدر الذي يخدم تاريخ أمراء الجبل أو يرتبط بهم... الجبل لم يكن منذ الفتح الإسلامي وحتى المتصرفية ولاية بنفسه، بل كان دوماً جزءاً تابعاً في قسمة الشمالي لولاية طرابلس وبقسمة الجنوبي لولاية صيدا يعقل أن تدرس مقاطعات جبل لبنان التابعة لولايتي طرابلس وصيدا ،وتهمل الولايتان إلا ما كان من تاريخهما ضرورياً لتوضيح صورة الجبل "

انقسام السُّكان حول الكيان الجديد

     ولم يحظَ هذا الكيان بقبول أهله سوى الطائفةِ المارونية التي رأت فيه تحقيقاً لطموح تنامى لديها مع تنامي التدخُّل الفرنسي في شؤون الدولة العثمانية. وقد جاء في كتاب "تاريخ لبنان الحديث" للكاتب فواز الطرابلسي: "إنَّ عدداً لا يُستهان به من المسيحيين غير المارونيين من الروم الأرثوذوكس والكاثوليك، عبَّروا عن رغبات مشابهة لتلك التي عبَّر عنها المسلمون، فغالبية سكان زحلة مثلاً الحاضرة ذات الأكثرية الكاثوليكية، صوَّتت إلى جانب الانضمام إلى سورية وضد الانتداب، ووقع 500 من وجهائها عريضة بهذا المعنى، سلمت إلى لجنة كينغ كراينغ ". وجاء في كتاب "نقد الفكرة اللبنانية" لوليد نويهض: "جاء إعلان الجنرال غورو بتوسيع رقعة جبل لبنان الجغرافية وضم الأقضية الأربعة إليه رغم أنف الأهالي (المسلمون بغالبيتهم)". وجعلت فرنسا من الكيان اللبناني أمراً واقعاً، فرضته على الناس بمنطق أن الحق للقوة، ما اضطَرَّهم للتعامل معه على مضض.

هدف فرنسا من تكوين "لبنان" بهذا الشكل

     حين تشكيل هذا الكيان الجديد لم تكن فرنسا جاهلةً بهشاشة هذه الدولة، وضعفِ تركيبتها، ورفضِ معظم أهلها لها، بل عملت كغيرها من الدول الاستعمارية وبقصد هادف، على جعل الأقليات في سدَّة الحكم، حتى لا تقوى على الحكم بمعزل عن معونتها، وحتَّى توجِد لها موطئ قدم في قلب العالم الإسلامي تحرِّكه لصالحها متى شاءت، وتشعل الحروب منه، وتنشر الاضطرابات والقلاقلَ كلَّما أرادت، وتبثّ الأفكارَ الهدّامة والثقافة الغربية من خلالها، وما إنشاءُ لبنان بهذه التركيبة العجيبة والمخالفة للمنطق والواقع إلا بسبب ذلك. ومن أعجب الأمور أن يُروّج أن "لبنان" بهذا النظام الطائفي والعلماني في آن معاً يتمتع بخصوصية فريدة، وأن هذا مصدر غنى وقوة له، وأن هذا النموذج يجب أن يعمم على سائر الأقطار والكيانات المصطنعة، لإخفاء الحقيقة المعاكسة لذلك، وهي أن هذه التركيبة مصدر ضعف لا موضع فخر، إذ تشكل بؤرة توتر تسهّل على الآخرين التدخل وإحداث القلاقل فيه وفي المنطقة من خلاله.

     جاء في كتاب "نقد الفكرة اللبنانية": "في فترة الانتداب، كان لجبل لبنان حصَّة الأسد من الاهتمام الغربي، بصفته أول اختراق أوروبي سياسي جدي للسلطنة العثمانية، ولأنه يتمتع بموقع خاص، وتركيبة سكانية مميزة يتيح للمصالح الغربية حرية التصرف دون حسيب أو رقيب". وفي إطار خطة الغرب لضرب الأمة الإسلامية وإسقاط دولة الخلافة، يذكر العالم القدير عبد القديم زلوم أمير حزب التحرير السابق رحمه الله تعالى في كتاب "كيف هُدمت الخلافة": "وُضِع لمركز بيروت المخطط على أن يعمل للمدى الطويل والنتائج البعيدة...وكان مركز بيروت سُمّاً ناقعاً قتّالاً، حوّل الآلاف من أبناء المسلمين إلى كفار، وحوّل العلاقات الإسلامية إجمالاً إلى علاقات تسير حسب أحكام الكفر، وكان أثره فظيعاً في ضرب الدولة أثناء اشتباكها مع الكفار في الحرب العالمية الأولى...إلا أن المستوى الذي أنتجته أعمال الدول الأوروبية من مركز بيروت، هو إيجاد جواسيس، والقيام بأعمال تخريبية للأفكار والنفوس " ومن هذه الأفكار:

ـ القومية، حيث أنشئ في بيروت عام 1875 أول حزب قومي في البلاد الإسلامية باسم "الجمعية السرية" والتي راحت تعمل على الدعوة للقومية العربية.

ـ إثارة العداء للدولة العثمانية.

ـ إيهام الناس أن النهضة لا تقوم إلا بفصل الدين عن الحياة، فأوروبا لم تنهض إلا بعد فصل الدين عن الحياة.

ـ إثارة النعرة الوطنية.

ـ نشر الديموقراطية والحريات.

ـ محاربة اللغة العربية والدعوة لوضع قواعد للعامية.

ـ العمل على الغزو التبشيري والثقافي باسم العلم، فأقاموا المدارس والإرساليات الأجنبية للترويج لهذه الأفكار. كما وأنشأوا الجمعيات العديدة لتعمل على تحقيق مصالح الغرب والترويج لأفكاره على ألسنة أبناء الأمة المضبوعين بالغرب.كل ذلك انطلاقا من "لبنان".

سعي بريطانيا لإقامة كيان شبيه

     وبالمناسبة إن تجاوب الموارنة مع الغرب، لاسيما فرنسا، دفع بريطانيا إلى خلق وضع مشابه لما في لبنان، بإقامة كيان لليهود في فلسطين، بعد نقلهم من أوروبا والعالم إليها. فقد جاء في كتاب جورج قرم "لبنان المعاصر" نقلاً عن عادل إسماعيل "تاريخ لبنان": "منذ تاريخ 1840، أدرك قنصل إنكليزي في بيروت، خطر هذه السياسة الفرنسية، فكتب إلى وزارة الخارجية في لندن مقترحاً قيام الحكومة الإنكليزية بإقناع الطائفة اليهودية في إنكلترا بالاستيطان في فلسطين، بهدف أن تستفيد إنكلترا بدورها من وجود مجموعة دينية تدين لها بالولاء...".

الخلاصة

     جاء في كتاب "نقد الفكرة اللبنانية": "فالكيان اللبناني في صيغته الراهنة، كان نتاج القرار السياسي الفرنسي في العام 1920، والدستور اللبناني هو بمثابة طبعة منقحة عن الدستور الفرنسي... قرار إعلان الكيان قرار فرنسي، ودستور تركيبة الكيان دستور فرنسي، وقد أعيد إنتاجهما في تسوية العام 1943".

     ومنذ قيام هذه الدولة، والصراعات والفتن قائمة، لا تخبو فترة حتى تعود شرارتها لتنطلق مرة أخرى، حاصدة الدمار والخراب والقتل والتشريد والمجازر...

     فلِمَ الوهم بأن وجود هذا الكيان هو ضرورة تاريخية وحضارية ؟! ولِمَ الوهم بأنه يشكل َضمانة لغير المسلمين، ولاسيما للنصارى، بينما هو في الحقيقة أنشئ ليضعهم في مواجهة أهل المنطقة من المسلمين، بل في مواجهة بعضهم البعض؟!

     والحـمـد لله رب العـالمـين.


([1]) لبنان في محيطه العربي ، ص 137 ، نقلا عن اسد رستم .

AddThis Social Bookmark Button